يبدو أن آثار الإنسان لن تقف على حدود كوكب الأرض، فقد طفح الكيل وازداد الأمر ليصل خارج سطح المعمورة، فبعد أن حقق الإنسان حلم الإفلات من جاذبية الأرض، والذي كان يراوده منذ زمن بعيد، بدأ بإرسال مخترعاته وخلاصة ما يملك من تكنلوجيا لارتياد الفضاء، فلطالما كان متلهفاً لذلك، فمنذ عام 1957 تم إطلاق ما يقدر بـ 4600 مركبة فضائية لوضع 6000 قمر صناعي في المدار المخصص له، وبعد أن تمضي هذه الأقمار مدتها تصبح خردة فضائية مالم يتم إرجاعها، ويسوء الأمر بتناثر أجزاء من هذه الأقمار في الفضاء لتسبح خارج السيطرة.


وقد استدرك الإنسان مؤخراً بعد أن أمضى سنوات عديدة وهو يرسل في المركبات والصواريخ، أن هناك أجسام بدأت تتراكم خارج الأرض نتيجة لما يقوم به من أعمال، وتتألف هذه الأجسام من العديد من المواد ابتداءً بالمعادن المستخدمة في تصنيع المركبات نفسها والقطع الإلكترونية المكونة للأجهزة إضافة إلى الأشياء التي تضيع من رواد الفضاء أثناء أداء عملهم، وغيرها من المواد التي باتت تسبح وكأنها أقمار تم إطلاقها، ويزداد الأمر سوءاً يوماً بعد يوم بازدياد النشاط الفضائي للإنسان، ولعل أحد أهم الحوادث التي أدت إلى تكون الكثير من المخلفات ما حصل في مطلع سنة 2007 عندما اختبرت الصين صواريخ مضادة للأقمار الصناعية، وتم توجيه أحدها ليصيب أحد الأقمار الصينية، وقد نتج عن الانفجار ما بين 2300 و 2500 جسم صغير لا يقل أصغرها عن حجم كرة التنس، ويسبق هذا الحدث ما قامت بها كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة حيث تم تجربة أكثر من 20 صاروخ مضاد للأقمار الصناعية إلا أنها كانت لأقمار في مدار منخفض كما أن المخلفات التي نتجت عن الانفجار سرعان ما احترقت في الغلاف الجوي للأرض، ويختلف ذلك عن ما قامت به الصين، فقد كانت تجربة الصين على مدار مرتفع يؤثر على المركبات الفضائية في نفس المدار، وقد أدى ذات مرة إلى تغيير مسار مركبة فضائية تدعى “تيرّا” وهي متخصصة في دراسة المناخ (Terra environmental spacecraft) وكانت هذه المرة الأولى التي تضطر فيها ناسا لتغيير مسار مركبة لتجنب الاصطدام المحتمل بالمخلفات الفضائية.

img (1)

في يوم 12 مارس سنة 2009 تم إخلاء المحطة الدولية إثر اقتراب جسم فضائي بصورة خطرة من المحطة، ويقدر طول الجسم بثلث بوصة، ولكن على الرغم من ذلك كان لهذا الجسم قدرة تخريبية كبيرة من الممكن أن تهدد مستقبل المحطة الدولية التي تقدر قيمتها بحوالي 100 مليار دولار. ونتيجة لتأخر إبلاغ رواد المحطة بالجسم، لم يعد بمقدورهم المناورة حوله، مما اضطرهم إلى إخلاء المحطة ولجوئهم إلى كبسولة إنقاذ لحمايتهم من انخفاض الضغط الحاد في حالة وقوع الاصطدام.


تلقى المخلفات الفضائية اهتماماً واسعاً من الوكالات المختصة بعلوم الفضاء، ويقدر المختصين أن مجموع كتلتها قد وصلت 5.5 مليون كيلوجرام موزعة على أكثر من مليون قطعة، ولكن ما يثير حولها الاهتمام ليست هذه الكتلة الضخمة فحسب، ولكن تأثيرها الناتج عن السرعة العالية التي تتحرك بها في المدار؛ فهذه القطع المتناثرة يتحرك معظمها بسرعة تقارب 28800 كم/ساعة، وبهذه السرعة يمكن أن يمتلك جسم صغير من المخلفات بحجم كرة التنس قدرة تفجيرية توازي 25 إصبع من الديناميت! وهذا ما يشكل خطر على المركبات الفضائية والأقمار، وتتوقع ناسا ازدياد أعداد الأجسام الفضائية في مدار الأرض المنخفض بنحو 75% خلال المائتي سنة القادمة في حال عدم اتباع إجراءات التقليل من المخلفات الفضائية.


ولا يقتصر أثر المخلفات الفضائية على المركبات والأقمار الاصطناعية فحسب، فقد أبدت بعض السلوك المخيف بدخولها للغلاف الجوي، وبالرغم من أنها تتعرض لحرارة عالية نتيجة احتكاكها مع الغلاف الجوي، إلا أن بعضها قد يخرج من هذه العملية ليصيب منطقة ما على الأرض، ومن أمثلة ذلك ما حدث في أستراليا نتيجة سقوط محطة الفضاء الأمريكية سكاي لاب Sky lab  والتي تزن 78 طن، وقد دخلت إلى الغلاف الجوي وتشتتت على أنحاء متفرقة من أستراليا، إضافة إلى ما حدث في المملكة العربية السعودية في سنة 2001، وغير ذلك من القطع المتناثرة والتي في انتظار الدخول إلى مجال الأرض، ولا نعرف أين ستسقط.


بالرغم من الآثار السيئة للمخلفات الفضائية والتي قد يتأثر بها الجميع، إلا أنه ليس هناك اتفاقية دولية ملزمة بخصوص النشاط الفضائي، فالفضاء ليس ملكاً لدولة بعينها، ولكن هناك بعض التوصيات للتقليل من هذه المخلفات والحد من القطع المتناثرة، كما أن هناك دراسات توجهت لتخدم هذا الغرض؛وإحدى هذه الدراسات تشير إلى إمكانية إرسال قمر صناعي تكون مهمته إدخال المخلفات الفضائية إلى المجال الجوي للأرض؛ وبهذه الطريقة يتم التخلص من معظم الأجسام عن طريق احتراقها من شدة الاحتكاك بالغلاف الجوي، وقد يفلت بعضها من المحرقة. وهناك طريقة أخرى تعمل باستخدام الليزر ليتم تركيزه على الأجسام الفضائية لغرض الحرق أيضاً. ولا تزال هذه الأمور قيد التجريب والبحث، إلا أنها قد تنجح!

~•~♥~•~♥~•~♥~•~♥~•~♥~•~♥~•~♥~•~♥~•~
 هذه التدوينة استهلكت ساعات من الجهد و العمل لافادتك .. فلا تبخل عليها بدقيقة لتضغط على ايقونة “غرّد” و “اعجاب” ليستفيد غيرك.

إرسال تعليق

( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )

 
Top